بينما الجميع منشغل بملف لابورت وإغلاق سوق الانتقالات، روبرت نافارو يحسم النقاش حول قيمته الحقيقية لأتلتيك بيلباو بطريقة عملية لا تقبل الجدل. 30 دقيقة لعب موزعة على مباراتين، هدف وتمريرة حاسمة – رسالة واضحة ومباشرة: أنا هنا، وجاهز تماماً.
أوهان أريسو كان الوافد الواضح والمنطقي – لاعب أساسي من اليوم الأول، بالفيردي منحه الثقة فوراً ووضعه في قلب التشكيلة. لكن نافارو؟ علامات الاستفهام كانت أكثر بكثير. جناح شاب قادم من برشلونة B، سيلعب كبديل غالباً في فريق يمتلك خيارات هجومية قوية، فكيف سيثبت نفسه في وقت قصير؟
الإجابة جاءت أسرع مما توقع أي شخص، حتى المتفائلين بشأنه. في الجولة الأفتتاحية أمام إشبيلية، دخل بالدقيقة 67 كبديل في لحظة حساسة من المباراة. النتيجة كانت 0-0، والفريق يحتاج لشرارة تُشعل الهجوم الذي بدا خاملاً نسبياً.
14 دقيقة فقط احتاجها ليسجل هدفه الأول بالقميص الأحمر والأبيض – الهدف الذي أصبح لاحقاً هدف الفوز الحاسم (1-0). ليست ضربة حظ أو لحظة عشوائية. نافارو أظهر قدرة على القراءة السريعة للمباراة، إيجاد المساحات الصحيحة بين الخطوط، والأهم من كل شيء – الجرأة على المحاولة دون خوف أو تردد.
بالفيردي يحب هذا النوع تحديداً من اللاعبين: من يدخل المباراة ولا يحتاج 20 دقيقة “للتسخين” أو التأقلم مع إيقاع اللعب. يريد لاعبين جاهزين من الثانية الأولى، قادرين على فرض إيقاعهم الخاص والتأثير فوراً.
المباراة الثانية كانت أكثر إثارة ودراماتيكية. دخل بالدقيقة 85 أمام ريال بيتيس – خمس دقائق فقط متبقية على نهاية المباراة والنتيجة 1-0 لبيلباو. وضع غير مريح بالمرة، الفريق يحتاج هدفاً ثانياً ليضمن الراحة والنقاط الثلاث، والوقت يمر بسرعة مخيفة.
أقل من 60 ثانية احتاجها نافارو ليترك بصمته. تمريرة ذهبية دقيقة لباريديس الذي سجل الهدف الثاني (2-0) وأنهى المباراة عملياً قبل دقائق من صافرة النهاية. تمريرة واحدة، لكنها جاءت بتوقيت مثالي ورؤية واضحة للمساحة الخالية خلف خط دفاع بيتيس المتقدم.
هذا النوع من التأثير الفوري يكشف عن لاعب يملك ذكاءً تكتيكياً عالياً وثقة كبيرة بالنفس. لم يدخل ليلعب بأمان ويحافظ على النتيجة، بل دخل ليضيف ويصنع الفارق. فرق كبير في العقلية.
هناك نوعان من البدلاء في كرة القدم الحديثة: من يدخل ليملأ الوقت المتبقي ويحافظ على الوضع القائم، ومن يدخل ليغير النتيجة ويفرض حضوره بقوة. نافارو بوضوح تام من الفئة الثانية، وهذا ما يجعله قيّماً جداً.
هذا النوع من اللاعبين – الذين يحملون طاقة وخطورة فورية عند دخولهم – نادر ومطلوب بشدة في كل فريق طموح. لا يكفي أن تملك موهبة، يجب أن تملك أيضاً القدرة على التكيف السريع والتأثير في وقت قصير جداً.
بالنسبة لبالفيردي، وجود نافارو في القائمة يمنحه ورقة إضافية قوية في موسم مزدحم بالمباريات والتحديات. دوري الأبطال، الليجا، كأس الملك – الفريق سيحتاج عمقاً حقيقياً في كل مركز، وليس مجرد أسماء تملأ القائمة. نافارو أثبت في مباراتين فقط أنه ليس مجرد “رقم” في القائمة، بل خيار موثوق يمكن الاعتماد عليه في اللحظات الحاسمة التي تحدد مصير المباريات.
المنافسة في المراكز الهجومية في بيلباو ليست سهلة. نيكو ويليامز، إيناكي ويليامز، ألكس برينجا، فيسجا – أسماء كبيرة وخيارات متنوعة. لكن نافارو يفرض نفسه بالأداء، لا بالكلام أو الوعود. هذا أفضل طريق للنجاح في فريق مثل أتلتيك بيلباو حيث الأداء وحده هو الذي يتحدث.
إدارة بيلباو تحسن الاختيار بهدوء
التعاقد مع نافارو كان قراراً صامتاً وهادئاً نسبياً مقارنة بالضجة الإعلامية الكبيرة حول ضم أيمريك لابورت أو تجديد عقد نيكو ويليامز. لم تكن هناك احتفالات كبرى أو مؤتمرات صحفية مهيبة، فقط صفقة بسيطة أُنجزت بهدوء واحترافية.
لكن أحياناً، الصفقات الهادئة تكون الأنجح والأذكى على المدى الطويل. لاعب يملك الجرأة، الإبداع، السرعة في اتخاذ القرار، والأهم من كل شيء – العقلية الصحيحة للنجاح في ملعب كسان ماميس حيث الجماهير لا ترحم الخائفين أو المترددين.
الجمهور الباسكي معروف بحماسه الشديد، لكنه أيضاً صارم في حكمه. يكتشف بسرعة من يلعب بقلب ومن يلعب فقط لملء الوقت. نافارو في 30 دقيقة فقط أثبت أنه من النوع الأول، وهذا سيكسبه احترام المدرجات بسرعة.
الإدارة راهنت على لاعب شاب من الدرجة الثانية في برشلونة، لاعب لم يحظَ بفرصة حقيقية في الفريق الأول الكتالوني. لكن الفرصة في بيلباو جاءت، ونافارو يمسك بها بقوة وإصرار واضحين.
الموسم طويل والاختبارات قادمة
30 دقيقة، هدف وتمريرة حاسمة. الأرقام بسيطة على الورق، لكن الرسالة ثقيلة ومؤثرة: روبرت نافارو جاهز تماماً لتحدي الليجا ودوري الأبطال. ليس خائفاً، ليس متردداً، ولا ينتظر أن تأتيه الفرص، بل يصنعها بنفسه.
لكن الموسم طويل جداً، والمباريات القادمة ستكون اختباراً أصعب وأكثر تعقيداً. الخصوم سيدرسونه، المدافعون سيعرفون نقاط قوته، والضغط النفسي سيزداد مع ارتفاع التوقعات. هل سيستطيع الحفاظ على هذا المستوى؟ هل سيطور لعبه ليصبح أكثر من مجرد بديل خطير؟
باقي الموسم سيحدد إذا كان هذا مجرد البداية الواعدة لمسيرة ناجحة في بيلباو، أم لحظة عابرة من التألق قد تتلاشى مع الوقت والضغوط. لكن حتى الآن، كل المؤشرات تقول إن نافارو جاء ليبقى وليترك بصمة حقيقية.
بالفيردي يبتسم، الإدارة راضية، والجماهير تنتظر المزيد. روبرت نافارو بدأ بقوة، والتحدي الآن هو الاستمرارية. 30 دقيقة كانت كافية لجذب الأنظار، لكن الموسم بأكمله سيحدد إذا كان يستحق كل هذا الاهتمام.

