روبرتو دونادوني لم يستخدم الدبلوماسية المعتادة. الأسطورة التي قضت 12 عاماً في قميص ميلان وحصدت ستة ألقاب في الدوري الإيطالي وثلاثة في دوري الأبطال، وجّهت تحذيراً صريحاً لرافايل ليو من خطر “الإقصاء الذاتي” إذا لم ينسجم مع الروح الجماعية التي يفرضها ماسيميليانو أليغري.
الرسالة واضحة: البرتغالي يملك إمكانيات هائلة، لكن عدم التكيف مع متطلبات المجموعة قد يقوده للعزلة داخل المشروع الفني. دونادوني يمتلك خبرة استثنائية في قراءة ديناميكيات غرف الملابس وتفاعل النجوم مع المدربين، وتحليله لوضع ليو يحمل ثقلاً خاصاً نظراً لمعرفته العميقة بثقافة النادي.
“البداية كانت جيدة، شاهدت ميلان مقنعاً”، هكذا لخص دونادوني انطباعه عن أداء الفريق في الأسابيع الأولى. لكنه لم يخفِ تحفظه على المستوى أمام يوفنتوس: “ربما قدمنا أداءً أقل قليلاً في المباراة الأخيرة ضد السيدة العجوز، حيث لم يكن الأداء بمستوى المواجهات السابقة”.
الأسطورة الإيطالية يضع هذا التراجع في سياق طبيعي: “من الواضح أنه عندما تكون المخاطر عالية، يصبح الفوز أكثر تعقيداً”. رغم ذلك، التقييم الإجمالي إيجابي: “الانطلاقة ممتازة وتبعث على التفاؤل”.
هذا التقييم المتوازن يعكس نظرة خبير يدرك أن المسيرة الطويلة في الدوري الإيطالي تتطلب قراءة هادئة للنتائج. ميلان خاض سبع مباريات في الدوري، حقق الفوز في خمس منها وتعادل في اثنتين، ما يضعه في موقع تنافسي قوي على الصدارة.
خلق مجموعة متماسكة ليس بالأمر البسيط
دونادوني يُرجع التحسن الواضح في أداء ميلان لعامل جوهري: استعادة التماسك الجماعي. “خلق مجموعة متماسكة ومتحدة ليس بالأمر البسيط، وأعتقد أن هذه كانت الصعوبة الأساسية للميلان في العام الماضي”.
الموسم السابق شهد انقسامات واضحة في غرفة الملابس، توترات بين اللاعبين والجهاز الفني، وغياب الهوية التكتيكية الواضحة. كل هذه العوامل انعكست سلباً على النتائج وأبعدت الفريق عن المنافسة الحقيقية على الألقاب.
“هذا العام يبدو أن هذه المشكلة قد حُلّت، وعلى أرضية الملعب نشاهد فريقاً مختلفاً”، يضيف دونادوني بارتياح واضح. هذا التحول لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة عمل دقيق من أليغري في إعادة بناء الثقة والانسجام بين العناصر المختلفة.
عندما سُئل عن نصيب أليغري من هذا النجاح، جاء الرد دبلوماسياً لكنه واضح: “الأمر كله يتعلق بالمجموعة، لكن بالتأكيد أليغري له نسبته من الفضل”. هذا التوازن في التقييم يعكس فهماً عميقاً لطبيعة كرة القدم: النجاح الجماعي يتطلب تضافر جهود المدرب واللاعبين والإدارة.
المدرب التوسكاني البالغ 57 عاماً يعود لميلان بعد سنوات من النجاح في يوفنتوس، حيث حصد خمسة ألقاب متتالية في الدوري. خبرته في إدارة النجوم وبناء الأنظمة التكتيكية المتماسكة تظهر بوضوح في الأسابيع الأولى من مهمته الجديدة.
التحول الأبرز في ميلان أليغري يتجسد في شخصية لوكا مودريتش. ديميتريو ألبيرتيني، أسطورة روسونيرية أخرى، قارن الكرواتي بأندريا بيرلو سابقاً، معتبراً أنه نوع اللاعب الذي افتقده ميلان لسنوات طويلة.
دونادوني يتفق مع هذا التقييم: “بالتأكيد هو لاعب يمتلك تلك الخصائص”. لكن ما يثير إعجابه أكثر هو الجانب البدني: “مع الأخذ في الاعتبار عمره، فإن قدرته على وضع نفسه في خدمة الفريق بديناميكية كبيرة أمر مذهل”.
مودريتش في الـ39 من عمره يقدم دروسا
مودريتش في الـ39 من عمره يقدم دروساً يومية لزملائه الأصغر سناً. “أتمنى أن يتمكن من اللعب بهذه الكثافة لأطول فترة ممكنة، لأنه بالتأكيد قيمة مضافة ليس فقط لما يمكن أن يقدمه على أرضية الملعب، بل أيضاً للمثال الذي يقدمه يومياً لجميع زملائه”.
الكرواتي الحاصل على الكرة الذهبية 2018 يجسد الاحترافية المطلقة: التزام في التدريبات، انضباط في نمط الحياة، قيادة بالقدوة وليس فقط بالكلمات. هذه القيم التي يغرسها مودريتش في غرفة الملابس قد تكون أهم من تمريراته الحاسمة.
مقارنة ألبيرتيني مع بيرلو ليست عبثية. كلاهما صانع ألعاب كلاسيكي، يقرأ المباراة بخطوات متقدمة، يوزع الكرات الطويلة بدقة جراحية، ويفرض إيقاعاً تكتيكياً على الفريق بأكمله. بيرلو قاد ميلان لنجاحات هائلة في العقد الأول من الألفية، والجميع يأمل أن يحقق مودريتش تأثيراً مشابهاً رغم اختلاف المرحلة العمرية.
الجزء الأكثر حدة في تصريحات دونادوني تناول وضع رافايل ليو. السؤال كان مباشراً: هل مشكلة ميلان اليوم تتعلق دائماً بعقلية ليو؟
الإجابة جاءت دون مواربة: “إنه لاعب يملك إمكانيات هائلة، لكن إذا لم ينسجم مع روح بقية الفريق، فإنه يخاطر بإقصاء نفسه ذاتياً”.
هذا التشخيص يضع الكرة في ملعب ليو نفسه. دونادوني لا يشكك في قدرات البرتغالي الفنية، بل في استعداده النفسي والذهني للتضحية من أجل المجموعة. في كرة القدم الحديثة، خاصة تحت قيادة مدرب مثل أليغري، لا مكان للنجوم الفردية التي ترفض الواجبات الدفاعية أو الضغط الجماعي.
عندما سُئل دونادوني عن احتمالية تحقق هذا السيناريو الأسوأ، أظهر أملاً حذراً: “أتمنى ألا يحدث ذلك، لا من أجله ولا من أجل ميلان، لأنه لاعب يملك وسائل كبيرة وبالتالي يمكن أن يكون عوناً عظيماً”.
لكن الأمل وحده لا يكفي. ليو يحتاج لإظهار تغيير ملموس في لغة جسده، مستوى تفانيه، واستعداده لتنفيذ التعليمات التكتيكية حتى لو لم تكن في صالح أرقامه الشخصية. النجم البرتغالي سجل هدفاً واحداً فقط في سبع مباريات بالدوري، انخفاض حاد مقارنة بمواسم سابقة حيث كان يتجاوز 15 هدفاً بسهولة.
الأرقام المتراجعة ليست المشكلة الوحيدة. لغة الجسد السلبية في بعض المباريات، عدم المشاركة في الضغط الدفاعي، والانعزال عن الزملاء في لحظات الضغط – كل هذه مؤشرات تثير القلق في محيط الفريق.
دونادوني يضع المسألة في سياق منطقي: “من الواضح أن العلاقات بين المدرب واللاعب لها وزنها النوعي، لكن قبل كل شيء يجب أن يدرك اللاعب نفسه ما هو ضروري له”.
الرسالة واضحة: التغيير يبدأ من الداخل، من وعي اللاعب بمسؤولياته، وليس فقط من ضغط المدرب. “إذا لم تكن مركزاً على نفسك بالطريقة الصحيحة، فمن الواضح أن هذا يصبح شكلاً من أشكال الإقصاء الذاتي من المشروع”.
“أعتقد أن هذه هي الرسالة التي يريد أليغري إيصالها له”، يشرح دونادوني. لكنه يضيف بُعداً مهماً: “لأن ماكس لديه كل شيء ليكسبه من محاولة استخراج الأفضل من لاعب بهذا المستوى”.
هذه النقطة جوهرية: أليغري ليس في موقف عداء مع ليو، بل العكس تماماً. المدرب الإيطالي يدرك أن نجاح البرتغالي يعني نجاح الفريق بأكمله، وبالتالي نجاحه الشخصي. لا يوجد مكسب لأليغري في إقصاء أحد أفضل الأجنحة في العالم من التشكيلة.
“إذا نجح في ذلك، فسنرى مجدداً أفضل نسخة من ليو بقميص ميلان”، يختم دونادوني هذا المحور بنبرة أمل مشروط. الكرة الآن في ملعب ليو: إما الاستجابة والعودة لمستوياته المعهودة، أو الاستمرار في الطريق الخطر نحو التهميش التدريجي.
طُرح على دونادوني سؤال تكتيكي مثير: هل يمكن لليو أن يلعب كمهاجم أول؟ الإجابة جاءت مقتضبة وحاسمة: “أرى ذلك صعباً”.
هذا التقييم يعكس فهماً واقعياً لخصائص ليو. البرتغالي في أفضل حالاته عندما يبدأ من الجهة اليسرى، يملك مساحة للعدو بالكرة، ويواجه الدفاعات بسرعته وقدرته على المراوغة. نقله للمركز الأول يعني تقييد هذه الحرية الحركية وإجباره على لعب ظهره للمرمى، وهو أمر لا يتقنه بطبيعته.
المهاجم الصريح يحتاج لخصائص مختلفة: القوة البدنية في المواجهات، القدرة على حماية الكرة تحت الضغط، الحركة الذكية داخل منطقة الجزاء، والتوقيت الدقيق في التسديد من داخل الصندوق. ليو يفتقد معظم هذه الصفات.
نقاط قوة البرتغالي تكمن في السرعة الانفجارية، المراوغة الفردية في المساحات المفتوحة، والقدرة على خلق الفرص من العدم عندما يواجه دفاعات مرتدة. هذه المهارات تتلاشى عندما يُحشر في مركز مهاجم تقليدي محاط بمدافعين. التجارب السابقة لتحويل أجنحة سريعة لمهاجمين صريحين نادراً ما نجحت في الكالتشيو.
السؤال الختامي كان مباشراً: هل هذا ميلان قادر على الفوز بالدوري؟ إجابة دونادوني جاءت واضحة: “بناءً على ما شاهدته حتى الآن، أقول نعم”.
هذا التأييد من أسطورة حصدت كل الألقاب الممكنة مع الروسونيري يحمل وزناً كبيراً. دونادوني لا يتحدث من منطلق العاطفة الجماهيرية، بل من خبرة 12 عاماً كلاعب ثم سنوات طويلة كمدرب في الدوري الإيطالي.
الأسس التي بنى عليها تقييمه واضحة: التماسك الجماعي، الانضباط التكتيكي، وجود قائد مخضرم مثل مودريتش، وعمق الصف يسمح بالتنافس على جميع الجبهات. كل هذه العناصر متوفرة في ميلان 2024-2025.
الموسم لا يزال في بداياته، والمنافسة في الدوري الإيطالي شرسة. إنتر ميلان حامل اللقب يملك خبرة وعمقاً، يوفنتوس تحت قيادة مدرب جديد تبحث عن استعادة المجد، نابولي بدون التزامات أوروبية قد يكون مفاجأة الموسم. لكن ميلان بتشكيلته الحالية، وبقيادة مدرب من عيار أليغري، يملك جميع الأوراق المطلوبة للمنافسة حتى الجولة الأخيرة. المطلوب فقط الاستمرارية، تجنب الإصابات الكبيرة، وحل معضلة ليو بأسرع وقت ممكن.
