مارسيليا تخطف بنجامين بافار في اللحظات الأخيرة

مارسيليا تخطف بنجامين بافار في اللحظات الأخيرة

مفاجأة من العيار الثقيل. مارسيليا أنهى الميركاتو بضربة لم يتوقعها أحد – بنجامين بافار، المدافع الدولي الذي رفع كأس العالم 2018، عاد إلى الدوري الفرنسي بعد غياب دام تسع سنوات كاملة. الصفقة جاءت في الدقائق الأخيرة من سوق الانتقالات، إعارة مدفوعة من إنتر ميلان مع خيار شراء بـ15 مليون يورو.

المشهد كان غريباً بعض الشيء إن صح التعبير. بافار لم يوقع في مكاتب النادي ولا في المدينة الرياضية، بل من داخل كليرفونتين – المركز التدريبي للمنتخب الفرنسي. السبب؟ الوقت كان ضيقاً للغاية، واللاعب كان متواجداً مع “الديوك” استعداداً للمباريات الدولية القادمة. لم يكن هناك متسع للعودة إلى مارسيليا وإنهاء الإجراءات الإدارية والعودة للمعسكر قبل إغلاق نافذة الانتقالات.

هذه الخطوة تعكس الاستعجال الذي كان لدى الطرفين لإتمام الصفقة. مارسيليا كان بحاجة ماسة إلى تدعيم دفاعي، وبافار نفسه كان راغباً في العودة إلى فرنسا بعد سنوات طويلة في الخارج. آخر مرة لعب فيها في الدوري الفرنسي كانت عام 2016 مع ليل، موسم واحد فقط قبل أن ينتقل إلى ألمانيا ويبدأ رحلة أوروبية طويلة.

من ليل إلى قمة أوروبا

بافار لم يضيع وقته في الخارج. بعد ليل، انتقل إلى شتوتغارت الألماني وقضى ثلاثة مواسم تعلم فيها الكرة الألمانية القوية والمنظمة. الأداء الذي قدمه هناك لفت انتباه بايرن ميونخ، والباقي أصبح تاريخاً. أربع سنوات في العملاق البافاري كانت كفيلة بأن تجعله واحداً من أفضل المدافعين في أوروبا – ألقاب البوندسليغا، كأس ألمانيا، ودوري الأبطال الذي توج مسيرته في ميونخ.

في بايرن، تعلم أشياء لم يكن يعرفها من قبل. الضغط العالي، سرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم، المشاركة في بناء اللعب من الخط الأخير – كلها مهارات اكتسبها تحت قيادة مدربين كبار وبجانب لاعبين عالميين. البوندسليغا علمته الصلابة، والإيقاع السريع، وكيفية الدفاع ضد أسرع المهاجمين في القارة.

الانتقال إلى إنتر ميلان عام 2023 كان تحدياً جديداً. الدوري الإيطالي بأسلوبه التكتيكي المعقد والانضباط الدفاعي الصارم تطلب منه التكيف مرة أخرى. السيريا آ لا تسامح على أي خطأ، كل تفصيلة صغيرة قد تكلفك المباراة. هنا تعلم الصبر، قراءة اللعب بدقة أكبر، والتموضع الذكي الذي يجعلك دائماً في المكان الصحيح.

مارسيليا حصل على لاعب شامل بكل المقاييس. بافار يستطيع اللعب ظهيراً أيمن أو في قلب الدفاع، وهذه مرونة تكتيكية نادرة. المدرب يستطيع تغيير الخطة حسب الخصم دون أن يخسر الجودة الدفاعية – أمر غالٍ جداً في موسم طويل يحفل بالمباريات على كل الجبهات.

الخبرة التي يحملها الرجل ليست مجرد أرقام في السيرة الذاتية. هذا شخص لعب نهائيات دوري الأبطال، خاض المواجهات الأوروبية الكبرى، ورفع كأس العالم فوق رأسه. يعرف كيف يتعامل مع الضغط حين تشتد المباراة، وكيف يحافظ على أعصابه حين تتعقد الأمور. هذا النوع من اللاعبين ينقل عقلية الفوز إلى الشباب المحيطين به، خاصة من لا يملكون خبرة كبيرة.

من الناحية الفنية، بافار ليس الأسرع في العالم، لكن لديه قراءة ممتازة للمباراة. نادراً ما تجده في موقف خاطئ، وذكي في التموضع. يعرف متى يدخل في المبارزة ومتى يتراجع قليلاً. إضافة إلى ذلك، يمتلك تمريرات دقيقة من الخلف ويستطيع المساهمة في بناء الهجمات – شيء مهم في الكرة الحديثة حيث لم يعد المدافع مجرد “قاطع” بل لاعباً شاملاً.

صفقة ذكية من الناحية المالية

الإعارة بخيار شراء محدد بـ15 مليون يورو تمنح مارسيليا مساحة للتنفس. الإدارة لديها الموسم بأكمله لمراقبة مستوى بافار، لياقته البدنية، وتأثيره الفعلي على الفريق. بعدها تقرر تفعيل البند أم لا. هذا النوع من الصفقات يقلل المخاطر، خاصة مع لاعب عمره 29 عاماً.

المبلغ نفسه معقول للغاية. 15 مليون يورو لبطل عالم ولاعب رفع دوري الأبطال رقم لا يعتبر مبالغاً فيه، خصوصاً حين نقارنه بالأسعار الجنونية التي أصبحت سائدة في السوق. لاعب بخبرة بافار ومستواه قد يكلف الضعف لو كان متاحاً بشكل مباشر.

الإعارة المدفوعة تعني أن مارسيليا سيتحمل راتبه كاملاً هذا الموسم، لكن دون الالتزام الفوري بدفع مبلغ الشراء. صيغة تتيح للطرفين – النادي واللاعب – التعرف على بعضهما قبل الارتباط على المدى الطويل. إذا سارت الأمور على ما يرام، سيحصل مارسيليا على مدافع دولي بثمن معقول. وإذا لم تنجح التجربة، يعود إلى إنتر وكل طرف يكمل طريقه.

بافار عاد إلى فرنسا بعد غياب طويل، وهذا الأمر له بعد عاطفي لا يمكن تجاهله. اللعب في الدوري الفرنسي أمام الجماهير المحلية، وتحت أنظار ديشامب المدرب الوطني، يمنحه دافعاً إضافياً. الرغبة في الإثبات أمام أبناء وطنك شيء مختلف تماماً عن اللعب في دوري أجنبي، حتى لو كان الأقوى.

التوقيت المتأخر للصفقة يعكس قدرة إدارة مارسيليا على التحرك بسرعة ومرونة. لم تكن صفقة مخططاً لها منذ بداية الصيف، بل فرصة ظهرت في اللحظة الأخيرة واستغلها النادي بذكاء. في عالم كرة القدم، التوقيت أحياناً يكون أهم من التخطيط.

الفيلوديوم سيكون بيئة مختلفة عن كل ما عاشه بافار. الجمهور المرسيلي متعصب ومتطلب، لكنه في الوقت نفسه وفي حين يرى الجهد والالتزام. النادي لديه طموحات كبيرة هذا الموسم، خاصة في الدوري الأوروبي، وبافار سيكون أحد الأعمدة التي يعتمد عليها المدرب.

المنافسة في الدوري الفرنسي أصبحت أقوى من السابق. باريس سان جيرمان طبعاً هو المرشح الأول، لكن فرقاً أخرى مثل موناكو ونيس وليون لديها مشاريع طموحة. مارسيليا بحاجة إلى القتال على كل نقطة لضمان مركز في الصدارة والتأهل للبطولات الأوروبية الموسم المقبل.