رون غورلاي خرج من مكاتب فالنسيا بعد ليلة طويلة من المفاوضات والاتصالات المتواصلة، وقرر أن يتحدث بصراحة نادرة في عالم كرة القدم. المدير التنفيذي لكرة القدم في النادي الأندلسي لم يخفِ شيئاً: السوق كان معقداً بكل المقاييس، صفقة عمر صادق فشلت في اللحظات الأخيرة، لكن الخطة البديلة كانت جاهزة منذ البداية ولم تكن مجرد ارتجال متسرع.
واحد وعشرون انتقالاً في صيف واحد. رقم ضخم بكل المقاييس لنادٍ واحد، خاصة ناد يمر بأزمة مالية منذ سنوات. فالنسيا ضم ثمانية لاعبين جدد: أغيريزابالا، رابا، كوبيتي، أوغرينيتش، سانتاماريا، دانجوما، رمضاني، ولوكاس بيلتران. أضف لذلك تجديد عقود ثلاثة من نجوم الأكاديمية الواعدين: خافي غيرا، كريستيان موسكيرا تاريغا، ودييغو لوبيز.
غورلاي لم يتردد في وصف السوق بكلمة واحدة: “كان مطولاً ومعقداً بشكل استثنائي. لم نتوقف عن العمل لحظة واحدة منذ بداية الصيف“. الرجل يعرف أن الأرقام تتحدث عن نفسها، وأن فالنسيا أنهى سوقاً نشطاً ومتنوعاً رغم كل القيود المالية المفروضة على النادي.
لكن السؤال الذي شغل الجماهير والإعلام على حد سواء كان واضحاً: ماذا حدث بالضبط مع عمر صادق، النجم النيجيري الذي كان قريباً جداً، بل قريباً للغاية من ارتداء قميص الخفافيش؟
غورلاي لم يلف ولم يدر حول الموضوع. قال بوضوح مباشر: “لم تكن هناك عقبات شخصية مع صادق بحد ذاته. اللاعب كان منفتحاً على الفكرة، ونحن كنا جادين جداً في ضمه”. المشكلة لم تكن في اللاعب نفسه أو في رغبته، بل في تعقيدات المفاوضات الثلاثية بين فالنسيا وريال سوسييداد واللاعب وممثليه.
البداية كانت بعرض إعارة بسيط، ثم تطور الموقف تدريجياً إلى عرض انتقال نهائي مع شروط دفع مرنة. فالنسيا قدم ما وصفه غورلاي بـ”عرض ممتاز جداً، متوازن ومنطقي لكل الأطراف”، لكن ريال سوسييداد رفض العرض نهائياً ولم يترك مجالاً للتفاوض أكثر.
النادي الباسكي كان واضحاً منذ البداية: إما بيع نهائي بالسعر الذي نريده، أو إعارة بشروط مالية أفضل بكثير مما يقدمه فالنسيا. لا مجال للمرونة، لا مجال للحلول الوسط. ريال سوسييداد تعلم من تجربة الموسم الماضي عندما أعار صادق لفالنسيا مجاناً، ورفض تكرار السيناريو مهما كانت الظروف.
هنا انتهت القصة بالنسبة لغورلاي. لم يكن هناك مجال للإصرار أكثر أو رفع العرض لمستويات غير معقولة مالياً. القرار كان حكيماً: الانسحاب بكرامة والانتقال للخطة البديلة دون تردد أو ندم.
بيلتران: الخطة “ب” التي لم تكن بديلاً مستعجلاً
الذكاء الحقيقي في إدارة غورلاي لم يكن في محاولة إقناع ريال سوسييداد بالقوة أو رفع العروض لمستويات جنونية، بل في الاستعداد المسبق والتخطيط لكل السيناريوهات المحتملة. لوكاس بيلتران لم يكن خياراً طارئاً ظهر فجأة في الساعات الأخيرة من الميركاتو، بل كان ضمن القائمة القصيرة للأهداف منذ بداية الصيف.
غورلاي شرح الفرق بين اللاعبين بوضوح تام: “صادق مهاجم كلاسيكي بالمعنى التقليدي للكلمة – رقم 9 صريح يبقى في منطقة الجزاء ويعيش على الأهداف. بينما لاعبنا الجديد أقرب لمفهوم ‘التسعة ونصف’ الحديث”. بيلتران يتحرك بمرونة واضحة بين مركزي التسعة والعشرة، قادر على النزول لاستلام الكرة وصناعة اللعب، وهذا بالضبط ما يريده المدرب كارلوس كورشيران في منظومته التكتيكية.
المدرب الإسباني لم يكن مجرد متفرج في عملية الشراء. كان جزءاً أساسياً ومحورياً من كل قرارات التعاقد منذ اليوم الأول. لم تكن هناك مفاجآت أو فرض أسماء من الإدارة دون استشارته أو موافقته. غورلاي أكد بوضوح: “كارلوس شارك بعمق في كل قرارات التعاقد، من البداية للنهاية. كل اسم دخل النادي كان بموافقته ورغبته الكاملة”.
التنسيق بين الإدارة الفنية والإدارية كان واضحاً وسلساً، وهذا ما يفسر التوازن الملحوظ في التعاقدات. لا توجد أسماء عشوائية، لا توجد صفقات مفروضة من الملاك، لا توجد قرارات ارتجالية. كل شيء كان محسوباً ومخططاً له بعناية.
الخطة لم تكن عشوائية أو مبنية على ردود أفعال لحظية. غورلاي رفض تماماً فكرة الارتجال في اللحظات الأخيرة من الميركاتو: “لدينا استراتيجية واضحة ومحددة منذ وصولنا للنادي، نعرف بالضبط المراكز التي تحتاج تعزيز، ونعرف نوعية اللاعبين المطلوبين في كل مركز”. الرجل يدير النادي بعقلية مؤسسية احترافية، بعيداً تماماً عن الفوضى والارتجال الذي عرفه فالنسيا في مواسم سابقة مؤلمة.
آخر يوم في سوق الانتقالات دائماً ما يكون معقداً ومليئاً بالمفاجآت والدراما، وغورلاي يعرف ذلك جيداً من خبرته الطويلة في الكرة الإنجليزية. لكنه لم يترك الأمور للصدفة أو الحظ. عندما فشلت صفقة صادق نهائياً في الساعات الأخيرة، كان البديل جاهزاً ومدروساً، والمدرب راضياً ومقتنعاً، والخطة سارت بسلاسة كما يجب أن تسير في نادٍ محترف.
هذا النوع من التخطيط المسبق والاستعداد لكل السيناريوهات هو ما يميز الإدارات الناجحة عن تلك التي تعمل بعقلية رد الفعل فقط. فالنسيا عانى لسنوات من قرارات متسرعة وصفقات غير مدروسة، لكن غورلاي يحاول تغيير هذه الثقافة تدريجياً.
سيرجي كانوس: الخروج الضروري
سيرجي كانوس كان آخر الخارجين من ميستايا هذا الصيف. غورلاي أكد رحيله بنبرة حاسمة لكن محترمة: “نعم، سيرجي انتقل للعب في مكان آخر، وأعتقد بصدق أن هذه خطوة إيجابية له وللنادي أيضاً”. اللاعب لم يكن ضمن خطط كورشيران التكتيكية لهذا الموسم، والبقاء كان سيعني الجلوس على مقاعد الاحتياط لأشهر طويلة دون مساهمة حقيقية.
القرار كان تكتيكياً بحتاً وواقعياً، وليس شخصياً أو عاطفياً. غورلاي لا يخفي احترامه للاعب وتقديره لما قدمه للنادي، لكنه يدرك جيداً أن كرة القدم الحديثة لا تترك مجالاً للعاطفة على حساب الخطة الفنية أو المصلحة العامة للفريق.
كانوس كان يستحق فرصة اللعب في مكان آخر بدلاً من إضاعة موسم كامل على الهامش. الاحترافية تقتضي أحياناً اتخاذ قرارات صعبة، وهذا بالضبط ما فعله غورلاي.
الآن، فالنسيا يملك تشكيلة متوازنة ومتنوعة بشكل واضح. ثمانية وجوه جديدة تحمل طاقة وطموحاً، تجديدات مهمة لنجوم الأكاديمية الواعدين الذين يمثلون مستقبل النادي، وخروج منظم لمن لم يعد مطلوباً في الخطة الفنية. غورلاي راضٍ عن ما أنجز، كورشيران راضٍ عن الأدوات التي حصل عليها، والمالك بيتر ليم أعطى الضوء الأخضر المالي لكل هذه التحركات.
السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء: هل ستترجم هذه الاستراتيجية المحكمة والتخطيط الدقيق إلى نتائج ملموسة على الملعب؟ الأوراق تبدو جيدة والمنطقية واضحة، والتخطيط كان دقيقاً ومدروساً، لكن الملعب الأخضر وحده هو الحكم النهائي الذي لا يرحم.
غورلاي يعرف جيداً أن الكلام والتصريحات لا تكفي في عالم كرة القدم. الجمهور الأندلسي المتعطش للنجاح يريد انتصارات حقيقية، يريد فريقاً منافساً قادراً على مواجهة الكبار، يريد العودة إلى المستويات العالية التي اعتاد عليها فالنسيا قبل سنوات الأزمات المالية والإدارية الطويلة.

