ملعب دا لوز في لشبونة كان على موعد مع فصل جديد من ملحمة كريستيانو رونالدو التي لا تنتهي. هدفان أمام المجر في تعادل مثير 2-2 لم يكونا مجرد مساهمة في نتيجة، بل كانا بوابة دخول التاريخ من أوسع أبوابه.
الهدف الأول كسر التعادل مع الغواتيمالي كارلوس رويز عند 40 هدفاً في تصفيات كأس العالم، والثاني رفع الرصيد إلى 41، ليصبح رونالدو الهداف التاريخي المطلق لهذه المرحلة من المنافسات الدولية. الرقم يبدو منطقياً بالنسبة للدون، الذي تحول تحطيم الأرقام القياسية عنده لعادة أكثر منه إنجازاً استثنائياً.
المجر تصدم، ورونالدو يرد بسرعة كيف ؟ المجر فاجأت الجميع بتقدم مبكر عبر أتيلا زالاي في الدقيقة الثامنة. هدف صادم على أرض البرتغال جعل الجماهير تحبس أنفاسها، لكن رونالدو، كعادته، كان له رأي آخر.
لم يطل انتظار الجمهور. في الشوط الأول، قلب النجم البرتغالي الطاولة بثنائية متقنة أعادت البرتغال للصدارة وأشعلت حماس الحاضرين الذين جاؤوا خصيصاً ليشهدوا فصلاً جديداً من أمجاد أسطورتهم الحية.
ما يلفت في الهدفين ليس القوة البدنية أو السرعة الخارقة التي اعتدنا عليها في العشرينات من عمره، بل الذكاء الكروي الذي يميزه الآن رغم تقدمه في العمر. الحركة بدون كرة، التموقع المثالي، والحسم في اللحظات الفاصلة – كلها عناصر تؤكد أن الموهبة وحدها لا تكفي. العقلية والاحترافية هما سر الاستمرار.
سوبوسلاي يفسد الحفلة بينما كانت البرتغال على بُعد دقائق من حسم التأهل الرسمي لمونديال 2026، ظهر دومينيك سوبوسلاي، نجم ليفربول، ليسجل هدف التعادل القاتل في الوقت بدل الضائع.
الهدف المجري جاء كالصاعقة على آمال روبيرتو مارتينيز ورجاله، الذين كانوا يحلمون بحسم الأمر على أرضهم أمام جماهيرهم. التعادل أبقى الحسم مؤجلاً لنافذة نوفمبر، حيث ستواجه البرتغال إيرلندا وأرمينيا في مباراتين يكفي الفوز في إحداهما لضمان المقعد.
الصدارة مريحة رغم العثرة رغم التعادل، تحتفظ البرتغال بصدارة مجموعتها برصيد 10 نقاط من أربع مباريات، متقدمة بخمس نقاط كاملة على المجر الوصيف. الفارق يمنح مارتينيز هامشاً مريحاً للمناورة في الجولتين المتبقيتين.
المجر، رغم نقطة التعادل الثمينة، تدرك أن مهمتها باتت شبه مستحيلة. حتى لو تعثرت البرتغال في إحدى مباراتيها المقبلتين، فإن فارق الأهداف والنقاط يمنح الفريق البرتغالي أفضلية شبه مؤكدة.
948 هدفاً والعد مستمر
الثنائية أمام المجر رفعت رصيد رونالدو إلى 948 هدفاً في مسيرته مع الأندية والمنتخب. الرقم الفلكي يضعه على بُعد 52 هدفاً فقط من حاجز الألف، الذي كان يبدو مستحيلاً قبل عقود.
ما يميز إنجاز رونالدو ليس الكم فقط، بل النوعية والاستمرارية. خمس دورات من أصل ست في تصفيات كأس العالم سجل فيها خمسة أهداف أو أكثر، مما يعكس حضوراً دائماً وتأثيراً مستمراً على مدار عقدين تقريباً. اللاعبون العظماء كثر، لكن القليلين فقط من يحافظون على هذا المستوى لفترة طويلة.
41 عاماً في مونديال 2026: تحدٍ جديد أمام الزمن
عندما تنطلق نهائيات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، سيكون كريستيانو رونالدو قد بلغ 41 عاماً. الرقم الذي قد يكون نهاية المطاف لمعظم اللاعبين، يبدو مجرد تفصيل عابر بالنسبة له.
التوقعات تشير بقوة إلى أن القائد البرتغالي سيكون جزءاً أساسياً من التشكيلة. الحلم الوحيد الذي لا يزال يراوده هو رفع كأس العالم، اللقب الوحيد الذي لم يحققه في مسيرة مليئة بالإنجازات.
البرتغال لم تتوج باللقب العالمي أبداً في تاريخها، رغم وصولها لنصف نهائي 1966 و2006. وجود رونالدو في نسخة 2026 قد يمنح السيليساو فرصة أخيرة لتحقيق الحلم التاريخي. لكن هل يكفي وجوده وحده؟ التاريخ يقول إن كرة القدم لعبة جماعية، لكن رونالدو أثبت مراراً أنه استثناء من القاعدة.
رسالة على إنستغرام: الفخر والوعد في صباح الأربعاء، نشر رونالدو رسالة عبر حسابه على إنستغرام: “ليس سراً أن تمثيل المنتخب الوطني يعني لي الكثير، ولهذا أنا فخور جداً بتحقيق هذا الإنجاز الفريد للبرتغال. شكراً لكل من ساعدني للوصول هنا. نراكم في نوفمبر لحسم التأهل!”
الكلمات تعكس ارتباطاً عاطفياً عميقاً بين اللاعب وقميص المنتخب، الذي دافع عنه في أكثر من 200 مباراة دولية. رونالدو لم يكتفِ بتحطيم الأرقام القياسية، بل صنع إرثاً يصعب على أي لاعب مستقبلي مجاراته.
مارتينيز وامتحان الحسم المدرب الإسباني روبيرتو مارتينيز، الذي تولى مهمة قيادة البرتغال بعد مونديال قطر 2022، ينتظره اختبار حقيقي في نوفمبر. التعادل أمام المجر، رغم أنه لم يعرقل مسيرة التأهل، كشف بعض الهشاشة الدفاعية التي قد تكلف الفريق غالياً في مراحل لاحقة.
مارتينيز يدرك أن مجرد التأهل لا يكفي. البرتغال تمتلك جيلاً ذهبياً يضم برناردو سيلفا، برونو فيرنانديز، روبن دياش، وبالطبع رونالدو. هذه التشكيلة قادرة على المنافسة بقوة على اللقب، لكن ذلك يتطلب معالجة نقاط الضعف قبل انطلاق البطولة.
نوفمبر: مباراتان لإنهاء المهمة كيف ؟ في نوفمبر، ستواجه البرتغال إيرلندا الشمالية وأرمينيا في ختام مشوار التصفيات. المنطق يقول إن الفوز في إحدى المباراتين كافٍ، لكن الطموح البرتغالي يستهدف الفوز في الاثنتين لحسم الصدارة بلا منازع.
المباراتان ستكونان فرصة لمارتينيز لتجريب تشكيلات مختلفة ومنح الفرصة للاعبين الشباب، خاصة بعد ضمان التأهل شبه المؤكد. لكن المدرب الإسباني لن يخاطر بالاستهانة، فكرة القدم مليئة بالمفاجآت، وآخر ما يريده هو عثرة غير محسوبة في اللحظات الأخيرة.

