توماس توخيل يبدو مثالياً على الورق. ثلاث مباريات، ثلاثة انتصارات، وإنجلترا تتصدر مجموعتها في تصفيات كأس العالم بثقة. الأرقام تتحدث، والجماهير الإنجليزية تبتسم، لكن من يتابع عن قرب يعرف أن الطريق أطول وأصعب مما تُظهره الأرقام.
المدرب الألماني يواجه معضلة الثراء. خط الهجوم والوسط في المنتخب الإنجليزي مليء بالنجوم، والجميع يستحق اللعب، لكن الملعب لا يتسع إلا لأحد عشر لاعباً. كيف توازن بين كين وفودن وبالمر وساكا ورشفورد وغوردون؟ كيف تُرضي الجميع دون التضحية بالتوازن التكتيكي؟
توخيل يعرف هذه اللعبة جيداً. المدرب الألماني، الذي فاز بدوري أبطال أوروبا مع تشيلسي، ليس غريباً عن إدارة غرف تبديل الملابس المليئة بالأنا الكبيرة. لكن المنتخب يختلف عن الأندية، والوقت المتاح أقل، والضغوط أكبر.
الاستراتيجية التي يتبعها توخيل واضحة: التدوير الذكي. لا يوجد تشكيلة ثابتة، والجميع يحصل على فرصته، والمنافسة مفتوحة على كل المراكز. هذا النهج يُبقي اللاعبين في حالة تأهب دائم، لكنه قد يُربك البعض الذين يفضلون الاستقرار والثقة الدائمة.
المباراة ضد أندورا لم تكن مقنعة تماماً. الفوز بهدف نظيف على منتخب صغير ليس إنجازاً كبيراً، رغم أن النتيجة تحقق الهدف المطلوب. إنجلترا هيمنت على الكرة، لكن الأفكار الهجومية كانت محدودة، والخطورة الحقيقية جاءت في لحظات متفرقة.
أندورا نظّمت دفاعاً محكماً، وإنجلترا احتاجت وقتاً طويلاً لكسره. هذا النوع من المباريات، ضد منتخبات منغلقة دفاعياً، يُظهر الفوارق الحقيقية بين الفرق الكبيرة. الصبر موجود، لكن الإبداع الفردي الذي يُحسم هذه المواقف لم يكن بالمستوى المطلوب.
توخيل لم يبدُ قلقاً. المدرب الألماني يعرف أن التصفيات مرحلة طويلة، والأهم هو جمع النقاط وليس بالضرورة تقديم عروض خيالية. الجمال التكتيكي يأتي لاحقاً، في البطولة النهائية، أما الآن فالمطلوب هو الفوز بأي طريقة.
صربيا الاختبار الحقيقي المواجهة القادمة في بلغراد ستكشف الكثير. صربيا ليست أندورا، والجو في الملعب سيكون معادياً تماماً. الجماهير الصربية من الأعنف في أوروبا، والملعب سيتحول إلى جحيم للاعبين الإنجليز.
المنتخب الصربي يملك لاعبين من العيار الثقيل. دوشان فلاهوفيتش، سيرجي ميلينكوفيتش-سافيتش، دوشان تاديتش، أسماء معروفة في الدوريات الأوروبية الكبرى. الفريق منظم، قوي بدنياً، ويعرف كيف يُزعج الخصوم الكبار.
الأسلوب الصربي يعتمد على الانضباط الدفاعي والقوة البدنية. الضغط العالي، الاحتكاك الجسدي، والسرعة في الهجمات المرتدة. هذا النمط يختلف تماماً عما واجهته إنجلترا ضد أندورا، وتوخيل سيحتاج لخطة مختلفة.
اللاعبون الإنجليز سيُختبرون ذهنياً ونفسياً. الضغط الجماهيري، الصعوبة التكتيكية، والأهمية القصوى للنقاط الثلاث. من يتعامل مع هذه الظروف بنجاح سيُثبت أنه جاهز للبطولات الكبرى.
توخيل معروف بمرونته التكتيكية. المدرب الألماني لا يتردد في تغيير الخطة حسب طبيعة المباراة. في تشيلسي، استخدم أنظمة مختلفة: 3-4-3، 4-2-3-1، 4-3-3، كلها حسب الحاجة. هذه القدرة على التكيف ستكون حاسمة في التصفيات.
النظام الأساسي الذي يفضله توخيل يركز على السيطرة والضغط العالي. إنجلترا تحاول استعادة الكرة بسرعة، وتفرض إيقاعها على الخصم، وتستغل المساحات خلف الدفاع. لكن عندما لا ينجح هذا الأسلوب، توخيل يملك خططاً بديلة.
الضغط على توخيل سيزداد مع كل مباراة. الجماهير الإنجليزية لا تقبل بأقل من اللقب، والإعلام الإنجليزي يُضخم كل خطأ صغير. المدرب الألماني يعرف هذه البيئة جيداً من تجربته مع تشيلسي، لكن المنتخب مختلف تماماً.
إدارة التوقعات فن صعب. توخيل يحاول بناء ثقافة فريق قوية، بعيداً عن الضجيج الإعلامي. التركيز على العمل الجماعي، الانضباط التكتيكي، والتواضع رغم الأسماء الكبيرة. هذه الفلسفة قد تكون المفتاح للنجاح.
المنتخب الإنجليزي يملك توازناً جيداً بين الخبرة والشباب. كين، ووكر، وستونز يمثلون الخبرة، بينما بالمر، ماينو، وغوردون يمثلون الجيل الجديد. هذا المزيج قد يكون الوصفة المثالية للنجاح.
لكن التصفيات ليست البطولة النهائية. الفوز على أندورا وألبانيا وغيرهما شيء، والمنافسة ضد فرنسا، البرازيل، والأرجنتين شيء آخر تماماً. الاختبار الحقيقي سيأتي في كأس العالم، عندما تواجه إنجلترا أفضل المنتخبات في العالم.
توخيل يعرف ذلك جيداً. المدرب الألماني لا ينخدع بالأرقام الحالية، ويعمل على تطوير الفريق تدريجياً. كل مباراة فرصة لتجربة شيء جديد، لاختبار لاعبين مختلفين، ولبناء كيمياء جماعية قوية.

