الحقيقة خرجت للعلن أخيراً. كتاب “من الجحيم إلى الجنة” الذي صدر في 3 سبتمبر يكشف وثائق حصرية حول الطلاق العاصف بين كيليان مبابي وباريس سان جيرمان. القصة أعمق بكثير مما كان يعتقد الجميع، وسوء الفهم الذي حدث صيف 2023 كان البداية لنهاية مؤلمة.
مبابي الآن يتألق مع ريال مدريد، وباريس حقق إنجازاً تاريخياً في دوري أبطال أوروبا بدونه. كل طرف يبتسم، لكن النزاع القانوني لا يزال مستمراً. الملايين المتنازع عليها تفصل بين قائد المنتخب الفرنسي والنادي الذي قضى فيه سنوات من عمره.
صيف 2023 كان نقطة التحول. مبابي أفهم قيادة النادي أنه لن يجدد عقده وسيرحل مجاناً. القرار لم يعجب ناصر الخليفي، رئيس باريس، الذي استثمر ملايين في اللاعب ولا يريد خسارته دون مقابل. الرد كان قاسياً: الاستبعاد من المجموعة الأولى.
مبابي تحول إلى “معتزل” بين ليلة وضحاها. التهديد كان واضحاً: إما التجديد، أو تقديم تعويض مالي، أو البقاء على مقاعد الاحتياط طوال الموسم. الضغط النفسي كان هائلاً، واللاعب وجد نفسه في مأزق حقيقي.
محامية مبابي، الأستاذة دلفين فيرهايدن، تحركت بسرعة. في 11 أغسطس 2023، أرسلت رسالة إلى فيكتوريانو ميليرو، الأمين العام للنادي آنذاك. الرسالة حملت عرضاً استثنائياً: تقليل 55 مليون يورو من المكافآت المستحقة لمبابي خلال موسم 2023/2024، وتأجيل دفع نفس المبلغ لموسم 2024/2025.
العرض لم يكن بلا شروط. مبابي طلب إعادة إدماجه في المجموعة لمباراة 12 أغسطس، مع ضمان عدم استبعاده طوال الموسم. المهلة كانت ضيقة: توقيع التعديل بحلول يوم الاثنين 14 أغسطس الساعة 12 ظهراً، وإصدار بيان مشترك يعلن انتهاء الخلاف.
الساعات التي تلت الرسالة كانت حاسمة. في 12 أغسطس، على هامش مباراة باريس ضد لوريان، عُقد اجتماعان غيّرا كل شيء. مبابي غاب عن المباراة، لكنه كان حاضراً في الكواليس للمفاوضات.
الاجتماع الأول جرى في صالون قرب غرفة ملابس باريس. مبابي والخليفي وجهاً لوجه، مناقشات مباشرة حول تفاصيل الاتفاق. الخليفي طالب بتعويضات مالية أكبر، ومبابي حاول الدفاع عن موقفه. اللقاء لم ينتهِ بحل نهائي، لكنه مهّد الطريق للاجتماع الثاني.
بعد المباراة مباشرة، اجتمع أربعة أشخاص في مكتب الرئيس: مبابي، الخليفي، لويس كامبوس المدير الرياضي، ولويس إنريكي المدرب. الغرفة كانت أوسع، مع أرائك بيضاء وجدار بني وإضاءة هادئة. الأجواء بدت أكثر هدوءاً، والطرفان خرجا راضيين.
من هذا الاجتماع نشأ اتفاق شفهي سمح بإعادة إدماج المهاجم في المجموعة المهنية. مبابي عاد للتدريبات، وباريس أوقف الحرب الإعلامية. الجميع اعتقد أن الأزمة انتهت، لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً.
المشكلة الكبرى: لم يُوقع أي عقد رسمي. كل شيء كان شفهياً، والتفاصيل لم تُكتب على ورق. الشروط التي وضعتها محامية مبابي في رسالة 11 أغسطس لم تُنفذ بالكامل، وأهمها عدم استدعاء مبابي لمباراة 12 أغسطس، وهو شرط أساسي لتوقيع التعديل.
الأخطر من ذلك: الطرفان لم يفهما نفس الشيء من المناقشات. مبابي خرج من الاجتماع معتقداً أن النادي وافق على شروطه، وباريس خرج معتقداً أن اللاعب قبل بتنازلات أكبر. سوء الفهم هذا كان قنبلة موقوتة انفجرت لاحقاً.
الأشهر التي تلت الاجتماع كانت مليئة بالتوتر. مبابي لعب، لكن العلاقة مع الإدارة لم تتحسن. الثقة المفقودة لم تعد، والطرفان بدآ يستعدان للطلاق النهائي. صيف 2024 جاء، ومبابي رحل إلى ريال مدريد بلا مقابل، تماماً كما هدد.
باريس يطالب الآن بملايين. النادي يعتبر أن مبابي لم يلتزم بالاتفاق الشفهي، وأن المكافآت المؤجلة يجب أن تُدفع. مبابي من جهته يرفض، ويعتبر أن النادي لم ينفذ شروطه، وبالتالي لا يستحق شيئاً.
النزاع القانوني معقد وطويل. الأطراف تتبادل الرسائل القانونية، والقضية قد تصل للمحاكم الدولية. المبلغ المتنازع عليه ضخم، والطرفان غير مستعدين للتنازل بسهولة.
كتاب “من الجحيم إلى الجنة” للكاتبين فابريس هوكينز وأبولين بوشيري يكشف تفاصيل لم تُنشر من قبل. الوثائق المسربة تُظهر حجم الفوضى التي حدثت خلف الكواليس، وكيف أن سوء الفهم البسيط تحول إلى حرب مفتوحة.
مبابي الآن في ريال مدريد يحقق أحلامه، وباريس يواصل مشروعه الجديد بدونه. لكن الماضي لا يزال حاضراً، والنزاع القانوني يذكّر الجميع بأن الطلاق لم يكتمل بعد.
55 مليون يورو كانت الرقم الذي أشعل كل شيء. مبلغ ضخم عرض مبابي التنازل عنه مقابل شروط محددة، لكن عدم التوقيع الرسمي وسوء الفهم حوّلا العرض السخي إلى نقطة خلاف دائمة.
القصة تعلّم درساً واضحاً: الاتفاقات الشفهية لا تكفي أبداً في عالم كرة القدم الحديث. الملايين على المحك، والثقة وحدها لا تبني عقوداً. التوقيع على الورق هو الضمان الوحيد، وغيابه يفتح الباب لسنوات من النزاعات القانونية.

