فرنسا كانت المرشح الأوفر حظاً، الفريق الذي يضم نجوماً من أكاديميات أكبر الأندية الأوروبية، المنتخب الذي وصل لنصف النهائي بثقة طاغية. لكن كرة القدم لا تعترف بالترشيحات دائماً. ليلة الثلاثاء، كتب المنتخب المغربي تحت 20 عاماً فصلاً جديداً من الملاحم الأفريقية بإقصائه “ليه بلويه” عبر ركلات الترجيح 5-4، بعد تعادل مثير 1-1 في الوقتين الأصلي والإضافي.
الآن، ينتظر الأشبال المغاربة موعداً مع التاريخ أمام الأرجنتين، حامل اللقب، في نهائي يُقام يوم 19 أكتوبر عند منتصف الليل بتوقيت المغرب. مواجهة بين عملاق جنوب أمريكي اعتاد الألقاب، وظاهرة أفريقية فاجأت العالم.
خطأ الحارس يفتح باب المفاجأة
الدقيقة 32 شهدت منعطفاً غير متوقع. ليزاندرو أولميتا، حارس فرنسا، ارتكب خطأً فادحاً تسبب في هدف عكسي منح المغرب تقدماً مبكراً. الكرة التي بدت بسيطة في التعامل تحولت لكابوس تحت ضغط المهاجمين المغاربة، لتستقر في الشباك.
البعض قد يقول إنه حظ، لكن الحقيقة أن الهدف جاء نتيجة ضغط مدروس ومستمر. الأشبال نفذوا تعليمات المدرب بحرفية: ضغط عالٍ على خط دفاع فرنسا، منع الحارس من اللعب المريح بالكرة، إجباره على قرارات متسرعة. النتيجة؟ خطأ قاتل حوّل مسار المباراة.
فرنسا، المفاجأة بالتخلف رغم السيطرة الواضحة على الحوزة، وجدت نفسها في موقف دفاعي غير معتاد. الفريق الذي اعتاد فرض إيقاعه الهجومي بات مطالباً بقلب النتيجة أمام منتخب منظم ولا يخشى المواجهة.
لوكاس ميشيل يُعيد الأمل الفرنسي
الشوط الثاني شهد فرنسا أخرى تماماً. الضغط تصاعد، الفرص تكاثرت، حتى جاءت لحظة التعادل على يد لوكاس ميشيل، أحد النجوم البارزين في التشكيلة الفرنسية طوال البطولة. استغل خطأً تنظيمياً في الدفاع المغربي ليسدد كرة قوية سكنت الشباك، معلناً بداية معركة حقيقية.
الهدف أعاد المباراة للتوازن، لكنه فتح الباب أمام 45 دقيقة إضافية من المعاناة الخالصة للطرفين.
الطرد الذي قلب الموازين
الوقت الإضافي حمل المنعطف الأكثر تأثيراً: طرد رابي نزينغولا، أحد أعمدة خط وسط فرنسا، بعد حصوله على البطاقة الحمراء. القرار التحكيمي ترك الفريق الفرنسي بعشرة لاعبين في أحرج الأوقات.
النقص العددي قلب كل شيء. المغرب، الذي كان يدافع بضراوة ويعتمد على الهجمات المرتدة، وجد مساحات أكبر للتحرك والتهديد. فرنسا بدورها فقدت توازنها التكتيكي وباتت عرضة لأخطاء قد تكون قاتلة.
الدقائق الأخيرة شهدت ضغطاً مغربياً متصاعداً، مع فرص حقيقية لحسم التأهل قبل ركلات الترجيح، لكن أولميتا – الذي تسبب في الهدف الأول – استعاد بعض ثقته بتصديات مهمة أنقذت فريقه من الهزيمة المبكرة.
أعصاب فولاذية عند النقطة البيضاء
بعد 120 دقيقة من الإثارة الخالصة، حانت لحظة الحسم. خمس ركلات لكل فريق، وقلوب ملايين المشجعين تتوقف مع كل خطوة نحو الكرة.
المغرب أظهر هدوءاً مذهلاً. شبان يخوضون أول تجربة كبرى لهم تقدموا للتنفيذ بثقة لافتة. خمس ركلات، خمس شباك اهتزت. لا مجال للخطأ، لا مكان للتردد.
فرنسا، رغم الخبرة الأوروبية والإمكانيات الفنية، تعثرت في ركلة واحدة حاسمة. الحارس المغربي، البطل الصامت طوال المباراة، قدّم تدخلاً حاسماً في إحدى الركلات، بينما ذهبت أخرى بعيداً عن الإطار. النتيجة النهائية 5-4 للمغرب، وانفجار من الفرحة الأفريقية هزّ أرجاء الملعب.
“الزلزال الأفريقي” يضرب البطولة
وسائل الإعلام العالمية وصفت ما حدث بـ”الزلزال الأكبر في البطولة”. المرشح الأبرز للقب خرج على يد منتخب أفريقي كان يُعتبر “الحصان الأسود” في بداية المشوار.
المغرب لم يكتفِ بإقصاء فرنسا، بل كتب فصلاً جديداً في تاريخ الكرة الأفريقية على مستوى الفئات السنية. الإنجاز يُضاف لسجل حافل بدأ مع الجيل الذهبي للمنتخب الأول في كأس العالم 2022 عندما بلغ نصف النهائي، محققاً أفضل إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ المونديال.
الأرجنتين تنتظر: ورثة ميسي في الطريق
في نصف النهائي الآخر، حسمت الأرجنتين تأهلها بفوز صعب 1-0 على كولومبيا بهدف ماتيو سيلفيتي في الدقيقة 72. المباراة كانت أقل إثارة من الملحمة المغربية-الفرنسية، لكنها أكدت جاهزية “الألبيسيليستي الصغار” للمعركة النهائية.
الإعلام الأرجنتيني وصف المنتخب بـ”أبناء ميسي الصغار”، في إشارة رمزية للجيل الذي نشأ يشاهد البرغوث يحقق كل شيء. هؤلاء الشبان يحملون على أكتافهم مسؤولية إكمال المشوار وإثبات أن خط الإنتاج الأرجنتيني للمواهب لم يتوقف.
الأرجنتين وصلت للنهائي بدفاع صلب لم يتلقَ سوى هدفين في ست مباريات، وخط هجوم سجل 12 هدفاً. التوازن بين القوة الدفاعية والخطورة الهجومية يجعلها مرشحاً قوياً، خاصة مع الخبرة الكبيرة في البطولات الكبرى.
لكن المغرب لن يكون فريسة سهلة. الروح القتالية التي أظهرها الأشبال أمام فرنسا، والثقة المتزايدة بعد كل مباراة، والدعم الجماهيري الهائل من العالمين العربي والأفريقي، كلها عوامل قد تصنع مفاجأة جديدة.
مسيرة الأشبال: من التأهل بالحظ للحلم الكبير
المغرب لم يصل للنهائي بسهولة. المنتخب بدأ البطولة بأداء متواضع في دور المجموعات، تأهل كأحد أفضل المنتخبات الثالثة بفارق الأهداف. الكثيرون توقعوا خروجاً مبكراً، لكن الأشبال فاجأوا الجميع.
في دور الـ16، أطاح بإسبانيا بركلات الترجيح. في ربع النهائي، تغلب على البرازيل صاحبة الألقاب الخمسة في هذه البطولة. ثم جاءت الليلة الفرنسية لتكتمل الملحمة.
السلاح السري للأشبال
ما ينقص المغرب في النجومية الفردية، يعوضه بالانضباط التكتيكي والتضحية الجماعية. كل لاعب يعرف دوره بدقة، وكل خط يعمل في خدمة الآخر. الحارس قدّم أداءً بطولياً طوال البطولة، الدفاع أحبط أخطر الهجمات، الوسط تحول بسرعة من الدفاع للهجوم، والهجوم استغل الفرص القليلة بكفاءة عالية.
المحلل البرازيلي كارلوس ألبرتو باريرا وصف المغرب بـ”الفريق الذي يلعب بقلب واحد”. هذه الوحدة، المزروعة عبر الإعداد الجيد والنجاحات المتتالية، تحولت لسلاح فتاك أمام خصوم أكثر خبرة.
الجانب النفسي كان حاسماً أيضاً. الأشبال لم يخافوا من الأسماء الكبيرة، لم يرتعبوا من السمعة الأوروبية، ولم يفقدوا أعصابهم في اللحظات الحاسمة. جلسات الفيديو المكثفة، دراسة نقاط ضعف الخصوم، والتدريبات على ركلات الترجيح – كل هذه التفاصيل تراكمت لتصنع الفارق.
النهائي: كسر الحاجز النفسي
المواجهة النهائية تحمل رمزية كبيرة. منتخب أفريقي عربي يمثل القارتين بأكملهما، يحلم بإنجاز تاريخي لم يسبق لأي منتخب أفريقي تحقيقه على هذا المستوى. في المقابل، عملاق جنوب أمريكي صاحب تاريخ حافل يسعى لإضافة لقب جديد لخزانته.
الأرجنتين ستدخل كمفضلة بناءً على التاريخ والخبرة. لكن المغرب أثبت في الأدوار الإقصائية الثلاثة الأخيرة أن المفاجآت ممكنة، وأن الإرادة قد تكسر جميع التوقعات.
عوامل قد تحسم المعركة
اللياقة البدنية ستلعب دوراً. المغرب خاض ثلاث مباريات متتالية امتدت للوقت الإضافي، بينما حسمت الأرجنتين معظم لقاءاتها في الوقت الأصلي. هل يستطيع الأشبال تحمل 90 دقيقة إضافية من الجهد الخالص؟
الخبرة في النهائيات عامل آخر. الأرجنتين لعبت ثلاثة نهائيات سابقة في هذه البطولة، بينما هذه أول مرة للمغرب. الضغط النفسي سيكون مختلفاً تماماً.
لكن الدعم الجماهيري سيكون في صالح الأشبال. الجالية العربية والأفريقية ستكون حاضرة بقوة، وملايين القلوب من المحيط للخليج ستنبض معهم.
فوز المغرب باللقب لن يكون مجرد إنجاز رياضي، بل سيكسر حاجزاً نفسياً كبيراً أمام الكرة الأفريقية. سيكون تتويجاً لجهود طويلة في تطوير كرة القدم على مستوى الفئات العمرية، وسيفتح الباب أمام جيل جديد للحلم بالوصول للقمة.
الموعد محدد: 19 أكتوبر، منتصف الليل بتوقيت المغرب. ملايين القلوب ستتوقف، والأحلام ستُكتب على أرضية الملعب. المغرب على بُعد 90 دقيقة من خلود تاريخي لن يُمحى أبداً.
