قبل ساعات من المواجهة الأوروبية الكبرى، اختار أشرف حكيمي أن يرفع الضغط على زميله البرتغالي نونو ميندش بطريقة غير تقليدية. الدولي المغربي وصف الظهير الأيسر لباريس سان جيرمان بأنه “أفضل ظهير أيسر في العالم”، وهو لقب ثقيل بكل المقاييس، خاصة قبل مواجهة ستضعه وجهاً لوجه أمام أحد أخطر الأجنحة في أوروبا: لامين يامال.
“لامين ليس على جانبي، لكنه سيواجه أفضل ظهير أيسر في العالم”، قالها حكيمي بثقة واضحة في المؤتمر الصحفي قبل اللقاء على ملعب مونتجويك الأولمبي. البعض قد يراها مجرد كلمات تحفيزية، لكن الظهير المغربي يملك ما يدعم تصريحه.
حكيمي أكمل: “إنه قادر على إيقافه، كما فعل بالفعل في السابق، وكما أوقف مهاجمين آخرين بنفس أسلوب لامين”. الإشارة هنا واضحة لمواجهة دوري الأمم الأوروبية بين إسبانيا والبرتغال صيف 2024، حيث نجح ميندش فعلاً في تحييد يامال بشكل ملحوظ.
هل ينسى حكيمي ربع النهائي المؤلم؟
لكن، هل نسي حكيمي ما حدث في ربع نهائي دوري الأبطال الموسم الماضي؟ يامال، الذي كان لا يزال في السادسة عشرة، ترك بصمة واضحة في مباراة الذهاب بباريس التي فاز فيها البارسا 2-3. صنع هدف الافتتاح في مباراة الإياب أيضاً قبل أن يخرج الطرد المبكر لرونالد أراوخو المعادلة من مسارها، وينتهي اللقاء بكارثة كتالونية 1-4.
ميندش في تلك المواجهة المزدوجة قدم أداءً متفاوتاً: عانى في باريس لكنه كان أفضل في برشلونة رغم الهزيمة الثقيلة. ربما لهذا السبب بالتحديد، حرص حكيمي على التأكيد أن الدعم الجماعي سيكون حاضراً هذه المرة.
“قوتنا في المساعدة الجماعية، لذا سنحاول مساعدة نونو وعدم تركه وجهاً لوجه، لأننا نعرف قدرات لامين في تلك المواقف”، أضاف الظهير المغربي بواقعية أكبر. الرسالة واضحة: ميندش لن يكون وحيداً في مواجهة الإعصار الإسباني.
التغطية الزونية بدلاً من الانتحار التكتيكي لكن ما قاله حكيمي يكشف عن نضج تكتيكي مهم. ترك ميندش في مواجهات فردية متكررة أمام يامال قد يكون انتحاراً بكل المقاييس. الإسباني صاحب الـ18 عاماً أصبح أستاذاً في التخلص من المدافعين في المساحات الضيقة، وتمريراته العرضية من الجهة اليمنى تحولت لعلامة مسجلة.
على الأرجح، سنرى أحد لاعبي وسط باريس – ربما فابيان رويز أو وارن زائير-إيميري – يتراجع لسد المساحات خلف ميندش عندما يتقدم يامال. قد ينجرف حكيمي نفسه نحو الوسط أحياناً لتقديم دعم إضافي. هذا النهج يتماشى مع فلسفة لويس إنريكي الذي لا يؤمن بالبطولات الفردية بل بالتعاون الدفاعي المنظم.
الغيابات تعيد رسم المشهد الهجومي
غياب عثمان ديمبيلي، الحائز على الكرة الذهبية الأفريقية، إلى جانب ديزيريه دوي وخفيتشا كفاراتسخيليا بسبب الإصابات، يضع ثقلاً إضافياً على أكتاف يامال. في المقابل، غياب رافينيا عن برشلونة يعني أن الجناح الإسباني سيتحمل مسؤولية أكبر في الخطورة الهجومية.
ديمبيلي، الذي انتقل من برشلونة لباريس مقابل 50 مليون يورو صيف 2023، كان سيشكل كابوساً مزدوجاً للبارسا: يعرف نقاط ضعفهم جيداً، ويملك قدرة استثنائية على صنع الفرص من العدم. غيابه يخفف الضغط على الدفاع الكتالوني لكنه يفتح الباب أمام برادلي باركولا.
الجناح الفرنسي الشاب سجل 8 أهداف وصنع 3 في 15 مباراة هذا الموسم. يملك سرعة خارقة ومراوغة فعالة، وإن كانت لا تضاهي بعد مستوى ديمبيلي أو كفاراتسخيليا. المواجهة مع برشلونة ستكون امتحاناً حقيقياً لقدرته على التألق في الليالي الأوروبية الكبرى.
لويس إنريكي: عودة محملة بالذكريات : المؤتمر الصحفي حمل لحظات عاطفية واضحة عندما تحدث لويس إنريكي عن العودة لبرشلونة. المدرب الإسباني قضى 8 سنوات كلاعب و6 سنوات كمدرب للفريق الاحتياطي ثم الأول، حصد خلالها 9 ألقاب من بينها دوري الأبطال 2015 والثلاثية التاريخية.
“أريد أن أشكر رئيس باريس سان جيرمان على هذه البادرة المذهلة، بالتبرع بأموال قمصان اللاعبين لمؤسسة شانا”، قالها بامتنان صادق. المؤسسة التي تحمل اسم ابنته الراحلة تعمل على مساعدة الأطفال المرضى، وقمصان باريس ستحمل شعارها وتُباع في مزاد خيري بعد المباراة.
“العودة لبرشلونة دائماً مميزة. إنه بيتي. ليس كامب نو، لكنه ملعب تربطني به ذكريات رائعة، مثل افتتاح الألعاب الأولمبية 1992 الذي حضرته”. لويس إنريكي كان ضمن المنتخب الأولمبي الإسباني الذي حصد الذهبية في برشلونة 1992، واحدة من أبرز إنجازات الكرة الإسبانية قبل عصر الهيمنة 2008-2012.
ثم أضاف بحسم: “لا أستطيع قول شيء سيئ عن برشلونة، أنا ممتن إلى الأبد. لكنني محترف غداً”. الرسالة واضحة: العواطف شيء، والاحترافية والفوز شيء آخر تماماً.
بيدري “هاري بوتر”: المزاح الذي يخفي القلق
عندما سُئل لويس إنريكي عن تصريحات بيدري حول الثأر من هزيمة ربع النهائي، اختار طريق المزاح الخفيف: “أعرف بيدري جيداً. إنه لاعب مذهل وسعيد برؤيته يلعب بهذا المستوى. يعرفني جيداً أيضاً من المنتخب”.
ثم أضاف الجزء الأطرف: “بالنسبة لي، هو هاري بوتر. أتمنى فقط ألا يحضر عصاه السحرية. سنحاول إبقاءه على الهامش قدر الإمكان، لكن الأمر ليس متعلقاً به فقط، بل أيضاً بفرينكي دي يونغ، باو كوبارسي، ولامين يامال”.
هذا المزاج الخفيف يخفي احتراماً عميقاً وقلقاً تكتيكياً حقيقياً. بيدري تحت قيادة لويس إنريكي في المنتخب الإسباني وصل لنصف نهائي يورو 2020 وحصد لقب أفضل لاعب شاب. المدرب يعرف تماماً ماذا يمكن أن يفعل لاعب الوسط عندما يكون في يومه.
بيدري استعاد مستواه هذا الموسم بعد فترة من الإصابات المتكررة. سجل 3 أهداف وصنع 5 في 12 مباراة، لكن الأهم من الأرقام هو تأثيره على إيقاع اللعب. قدرته على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، رؤيته التكتيكية، وتمريراته العمودية الذكية تجعله المحرك الحقيقي للبارسا.
صداع الغيابات يضرب الطرفين : إلى جانب الثلاثي الهجومي، يغيب ماركينيوس، القائد والعمود الفقري لدفاع باريس. غياب البرازيلي يضعف الخط الخلفي بشكل واضح، خاصة في القراءة التكتيكية والقيادة الميدانية. ويلان باريديس أو ميلان سكرينيار سيحلان مكانه، لكن الفارق في الخبرة والتأثير جلي.
أما فيتينيا وجواو نيفيش، فتدربا مع الفريق في الملعب الأولمبي يوم الأربعاء، لكن لويس إنريكي سيتخذ قراراً نهائياً بشأن مشاركتهما قبل المباراة بساعات. البرتغاليان يشكلان ثنائي الوسط المفضل للمدرب، وغيابهما معاً سيجبره على إعادة ترتيب الأوراق بالكامل.
في حال غياب أحدهما أو كليهما، يبرز فابيان رويز كبديل طبيعي. الإسباني السابق في نابولي يملك خبرة واسعة في المباريات الكبرى، لكن غياب الثنائي البرتغالي معاً سيضعف الديناميكية والقدرة على الضغط المرتفع، عنصران أساسيان في فلسفة لويس إنريكي.
يامال: التحدي الأكبر في الملعب رغم كل الحديث عن بيدري، دي يونغ، وكوبارسي المدافع الشاب صاحب الـ17 عاماً الذي أصبح أساسياً رغم صغر سنه، يبقى يامال التهديد الأخطر. الموهبة الإسبانية سجلت 6 أهداف وصنعت 9 في 16 مباراة هذا الموسم، أرقام استثنائية لجناح في هذا العمر.
قدرته على التخلص من المدافعين، دقة تمريراته العرضية، وذكاءه في اختيار التوقيت المناسب تجعله أخطر لاعب في التشكيلة الكتالونية حالياً. مواجهة ميندش-يامال ستكون المعركة الفردية الأبرز. البرتغالي يحتاج لأفضل أداء في مسيرته لتبرير ثقة حكيمي ولقب “الأفضل في العالم” الذي منحه إياه. أي تراخٍ قد يكلف باريس غالياً.
