ماسيميليانو أليغري حسم الجدل بتصريح قاطع: “بوليسيتش هو المنفذ الرسمي، ركلة واحدة ضائعة لن تغير شيئاً”. المدرب الإيطالي أكد استمرار ثقته بالدولي الأمريكي رغم التسديدة الضائعة أمام يوفنتوس في الأليانز ستاديوم، التي خرجت بعيداً عن الإطار في لحظة حاسمة.
بوليسيتش يمتلك سجلاً مقنعاً من النقطة البيضاء: 13 ركلة ناجحة من أصل 14 قبل الإخفاق الأخير. الإخفاق الأول جاء في 22 فبراير الماضي عندما تصدى له فانيا ميلينكوفيتش-سافيتش، حارس تورينو في ذلك الوقت.
التفصيل الأبرز والأكثر غرابة: كلا إخفاقي بوليسيتش حدثا في العاصمة البيدمونتية تورينو. المنفذ الذي يُظهر أعصاباً باردة في معظم ملاعب أوروبا، يبدو أن شيئاً ما يتغير عندما يقف على نقطة الجزاء في هذه المدينة بالتحديد. مجرد صدفة إحصائية، أم عامل نفسي خفي يؤثر على تركيزه؟
رغم ذلك، نسبة نجاح بوليسيتش عند 86.6%، وهي نسبة محترمة جداً في عالم ركلات الجزاء. أي منفذ يتجاوز 80% يُعتبر لاعباً موثوقاً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في أروقة ميلانيللو: من سيتقدم لتنفيذ الركلة القادمة لو لم يكن بوليسيتش على أرضية الملعب؟
استوبينيان: السجل الخالي من العيوب
الإجابة الإحصائية البحتة تشير لبيرفيس استوبينيان. الظهير الإكوادوري يملك سجلاً مثالياً لا يقبل الجدل: ست ركلات جزاء نفذها في مسيرته، وست شباك اهتزت. نسبة 100% تجعله نظرياً المنفذ المثالي، رغم أن معظم هذه الركلات جاءت مع المنتخب الإكوادوري.
خمس من ركلات استوبينيان الست نُفذت في فئات الشباب، تحديداً في كأس العالم تحت 17 عاماً والبطولة الجنوب أمريكية تحت 20 عاماً. لكن الركلة السادسة، التي جاءت أمام أستراليا في 28 مارس 2023، أثبتت أن قدرته على التسجيل من النقطة البيضاء لم تكن ظاهرة مؤقتة في سنوات الشباب، بل مهارة راسخة يمكن الاعتماد عليها.
استوبينيان كان غائباً عن مواجهة يوفنتوس بسبب الإيقاف، لكن عودته تطرح سؤالاً مهماً: هل سيمنحه أليغري فرصة تنفيذ ركلة جزاء مع ميلان؟ المدرب الإيطالي معروف بمحافظته على الأدوار المحددة سلفاً، لكن امتلاك لاعب بهذا السجل المثالي يجعل من الصعب تجاهله تماماً.
الظهير الإكوادوري أظهر في مواقف عديدة أنه يمتلك شخصية قوية وثقة عالية بالنفس، صفات ضرورية للوقوف على النقطة البيضاء تحت ضغط عشرات الآلاف من الجماهير. قدرته على الأداء تحت الضغط واضحة في طريقة لعبه الهجومية الجريئة على الطرف الأيسر.
كريستوفر إنكونكو يبرز كمرشح قوي آخر. المهاجم الفرنسي يملك خبرة واسعة: 12 ركلة ناجحة من أصل 15 نفذها طوال مسيرته مع تشيلسي، لايبزيغ، وفئات باريس سان جيرمان الشبابية.
نسبة نجاح 80% تضع إنكونكو في خانة المنفذين الموثوقين، وإن كانت أقل من استوبينيان. الإخفاقات الثلاثة توزعت بين واحدة مع لايبزيغ واثنتين مع تشيلسي، لكن التفصيل المطمئن أن هذه الإخفاقات لم تكن قاتلة: في المباريات الثلاث، انتهت اللقاءات بفوز فريق إنكونكو رغم ضياع الركلة.
ما يميز إنكونكو عن بقية المرشحين هو خبرته الواسعة في الدوريات الأوروبية الكبرى والمنافسات القارية. نفذ ركلات جزاء في الدوري الإنجليزي الممتاز، البوندسليغا، ودوري أبطال أوروبا، ما يعني أنه اختبر الضغط في أعلى المستويات.
الفرنسي يمتلك أيضاً تنويعاً في طرق التنفيذ، فهو لا يعتمد على أسلوب واحد، بل يقرأ حركة الحارس ويتخذ قراره في اللحظة الأخيرة. هذه المرونة التكتيكية تجعله خصماً صعباً لحراس المرمى، خاصة أولئك الذين يدرسون أنماط المنفذين قبل المباريات.
لوكا مودريتش يضيف بُعداً آخر لخيارات أليغري. قائد كرواتيا السابق نفذ 30 ركلة جزاء في مسيرته الطويلة، نجح في 24 منها، ما يعني نسبة نجاح 80%، مماثلة لإنكونكو.
التفصيل المريح في سجل مودريتش أن خمسة من إخفاقاته الستة لم تكن حاسمة في نتيجة المباراة النهائية، حيث فاز فريقه رغم ضياع الركلة. الإخفاق الوحيد الذي أثر على المسار النهائي جاء في يورو 2024، عندما تصدى له جيانلويجي دوناروما في مواجهة كرواتيا وإيطاليا، قبل أن يسجل ماتيا زاكاني هدف التعادل 1-1 للأزوري في الوقت القاتل، وهو الهدف الذي ساهم لاحقاً في إقصاء المنتخب الكرواتي.
من المفارقات أن دوناروما هو حارس ميلان الحالي، ومواجهة مودريتش له في التدريبات قد تمنح الكرواتي فرصة للثأر النفسي من ذلك الإخفاق الأوروبي. لكن هذه المواجهات التدريبية قد تعمل في الاتجاهين: دوناروما أيضاً يدرس أسلوب مودريتش ويعرف توجهاته.
مودريتش في الـ39 من عمره يمتلك الخبرة والهدوء النفسي المطلوبين. لاعب بمسيرته وألقابه لا يرتعش أمام أي ضغط، وقدرته على قراءة اللحظة واتخاذ القرار الصحيح تجعله خياراً موثوقاً، رغم أن عمره قد يدفع أليغري للتفكير في بدائل أكثر شباباً للمستقبل.
رافايل ليو واجه نقطة الجزاء ثلاث مرات فقط في مسيرته، جميعها مع المنتخب البرتغالي في فئات الشباب والمنتخب الأول. نجح في اثنتين وأخفق في الثالثة، ما يعني نسبة نجاح 66.6%، وهي نسبة متواضعة نسبياً.
النجاحان جاءا في أغسطس 2015 خلال فوز البرتغال تحت 17 عاماً على إيطاليا 6-0، ثم في أغسطس 2017 عندما تغلبت البرتغال تحت 19 عاماً على فنلندا 3-0. أما الإخفاق فحدث في مارس 2023 مع المنتخب الأول، عندما تصدى له الحارس اللوكسمبورغي موريس رغم أن النتيجة كانت 5-0 للبرتغال بالفعل، والمباراة انتهت 6-0.
ليو يعاني من نقص واضح في التجربة من النقطة البيضاء، خاصة على مستوى الأندية. عدم تنفيذه لأي ركلة جزاء مع ميلان أو ليل الفرنسي في مسيرته الاحترافية يثير تساؤلات حول جاهزيته النفسية لتحمل هذه المسؤولية.
الجناح البرتغالي يمتلك قدرة تسديدية ممتازة وقوة بدنية، لكن ركلات الجزاء تتطلب أكثر من ذلك: هدوءاً نفسياً، قراءة صحيحة لحركة الحارس، واتخاذ قرار حاسم في جزء من الثانية. هذه المهارات تُكتسب بالتجربة المتكررة، وهو ما ينقص ليو حالياً.
سانتياغو خيمينيز، القادم من فاينورد الهولندي، يملك سجلاً متوسطاً: 15 نجاحاً مقابل 5 إخفاقات، أي نسبة 75%. هذه النسبة مقبولة لكنها ليست مطمئنة تماماً، خاصة أن أحد إخفاقاته جاء بالفعل مع ميلان.
في مارس الماضي، أهدر المكسيكي ركلة جزاء في مباراة الخسارة 2-1 أمام نابولي، عندما تصدى له أليكس ميريت. هذا الإخفاق في مباراة مصيرية يترك علامة استفهام حول قدرته على الأداء تحت الضغط في اللحظات الحاسمة.
خيمينيز نفذ معظم ركلاته مع فاينورد في الدوري الهولندي والمنافسات الأوروبية. رغم أن الإيريديفيزي دوري محترم، إلا أن الضغط في الكالتشيو الإيطالي مختلف تماماً. الأجواء المشحونة، الجماهير المتعطشة للأهداف، والتدقيق الإعلامي الشديد تجعل كل ركلة جزاء في إيطاليا امتحاناً نفسياً بقدر ما هي امتحان مهاري.
المهاجم المكسيكي يحتاج لبناء ثقته تدريجياً من النقطة البيضاء في الكالتشيو. منحه فرصة أخرى قد يكون مخاطرة، خاصة إذا جاءت الركلة في مباراة حاسمة. أليغري من النوع الذي يفضل الاعتماد على الخيارات المجربة في اللحظات الكبيرة.
أرديان ياشاري يملك أسوأ سجل بين جميع الخيارات المطروحة. اللاعب السويسري نفذ ركلتي جزاء فقط في مسيرته مع فئات لوتسرن الشبابية، نجح في واحدة وأخفق في الأخرى، ما يعني نسبة 50% فقط.
هذا السجل المحدود والمتواضع يجعل ياشاري في أسفل قائمة الترشيحات. لاعب في بداية مسيرته بهذا السجل الضعيف لن يكون خياراً منطقياً لأليغري، إلا في حالات الطوارئ القصوى حيث لا توجد بدائل أخرى على أرضية الملعب.
ياشاري يحتاج لسنوات من التدريب المكثف على ركلات الجزاء قبل أن يصبح خياراً موثوقاً. المواهب الشابة تحتاج لتطوير الجانب النفسي بقدر الجانب المهاري، وركلات الجزاء هي الاختبار النهائي للأعصاب الباردة والثقة بالنفس.
قرار أليغري بالإبقاء على بوليسيتش كمنفذ رسمي يعكس فلسفته الراسخة: الثقة في اللاعبين لا تهتز بإخفاق واحد. الأمريكي أثبت على مدار سنوات أنه منفذ موثوق، ونسبة نجاحه تدعم هذا الاختيار. لكن في الوقت نفسه، وجود بدائل قوية مثل استوبينيان وإنكونكو ومودريتش يمنح الفريق عمقاً في هذا الجانب الحاسم من اللعبة. الركلة القادمة من النقطة البيضاء ستكون اختباراً حقيقياً لأعصاب بوليسيتش، وفرصة له لإثبات أن ثقة أليغري في محلها.
